عبد الوهاب الشعراني

10

الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية

المبالاة بالمعاصي والشهوات أوثق ذريعة . إلى آخر ما قاله . فإذا كان هذا قول القشيري في زمانه ، فماذا يقول القائل في أهل النصف الثاني من القرن العاشر صاحب الغرائب والعجائب ؟ وقد أدركت أنا بحمد اللّه تعالى نحوا من سبعين شيخا وماتوا كلهم بغصصهم ولم يروا مريدا يعجبهم ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . فاعلم أن مقام الشيخ في هذا الزمان مشاكل حال المريد ومن طلب شيخا متصفا بعين ما اتصف به الإمام الجنيد مثلا فكأنه رام المحال في هذا الزمان ، ولكن حيث ما كان الشيخ أعلم بالطريق من المريد كفاه ذلك ويجب عليه التقيد عليه ، فإن من لا شيخ له لا يفلح أبدا في الطريق ، كما مر في الباب الأول . لا يصح دخول الطريق قبل التوبة وكان أبو علي الدقاق رحمه اللّه تعالى يقول : إذا لم يكن للمريد أستاذ يأخذ منه طريقه نفسا بنفس وإلا فهو عابد لهواه ، وأجمعوا على أن من لم يتب على يد شيخه أو غيره من جميع الزلات ، سرها وجهرها ، صغيرها وكبيرها ، ويرضي جميع أخصامه ، لا يفتح له من هذه الطريق بشيء وعلى ذلك جروا ، فإن طريق القوم كلها حضرة اللّه عز وجل ، كحضرة الصلاة ، أو كالجنة ، فكما لا تصح الصلاة مع النجاسة ، ولا دخول الجنة مع تبعات الخلائق ، فكذلك لا يصح دخول الطريق مع المعاصي والتبعات . وكان أبو القاسم القشيري رحمه اللّه يقول : يجب على المريد أن يصحح عهده بينه وبين اللّه تعالى أن لا يخالف شيخه في كل ما يشير به عليه ، فإن الخلاف للمريد ضرر عظيم ، ومن ابتدأ طريقه على مخالفة إشارة أستاذه لم يزل يخالفه في مستقبل الزمان ، فيجب عليه أن لا يعترض على شيخه بقلبه إذا استعمله في نزح السراب مثلا ، أو قال له : اعمل سراباتي . وقد كان فتح الشيخ خليل المالكي صاحب المختصر بسبب نزحه سراب بيت الشيخ عبد اللّه المنوفي رضي اللّه عنه ، فسمع الشيخ بطلب القنواتية فأتى بالفاس والزبيل من الليل وصار ينزح إلى الظهر ، فما رجع الشيخ عبد اللّه من الدرس حتى نزح السراب كله ، فدعى له الشيخ فصار علماء المالكية كلهم يرجعون إلى قوله وترجيحه إلى وقتنا هذا . وقيل : إن القصة المذكورة إنما وقعت للشيخ عبد اللّه المنوفي مع شيخه . وكان الشيخ أبو القاسم القشيري يقول : كل مريد خطر بباله أن له في الدنيا والآخرة قدرا وقيمة أو على وجه الأرض أحد من المسلمين دونه في الدرجة ، لم يصح له في الإرادة قدم ، وذلك لأن المريد إنما يجتهد في العبادة ليحصل له الذل والمسكنة بين يدي اللّه عز وجل لا